إخوان الصفاء

276

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل واعلم أيها الأخ أن لهذه الموجودات التي تحت فلك القمر نظاما وترتيبا أيضا في الوجود والبقاء ، وهي مرتّبة بعضها تحت بعض ، متصل أواخرها بأوائلها كترتيب العدد وترتيب الأفلاك . بيان ذلك أنه لما كانت أجزاء العالم محيطات بعضها بعضا وهي إحدى عشرة كرة ، تسع منها في عالم الأفلاك ، أولها من لدن فلك المحيط ، وآخرها إلى منتهى فلك القمر ، وآخرها متصل بأوائلها ، كما بيّنا في رسالة السماء والعالم ؛ وكان اثنتان منها دون فلك القمر وهي كرة النار والهواء ، وكرة الماء والأرض ، وهي مقسومة على أربع طبائع : أولها الأثير وهي نار ملتهبة دون فلك القمر ، ودونه الزمهرير الذي هو البرد المفرط ، ودونه الماء المفرط للرطوبة ، ودونه الأرض المفرطة اليبس . وهذه الأربعة محفوظة كليّاتها في مراكزها ، ومتصلة أواخرها بأوائلها ، ومستحيلة جزئياتها بعضها إلى بعض - كما بيّنا في رسالة الكون والفساد . وأما الكائنات منها التي هي جزئياتها فهي المعادن والنبات والحيوان ، ولها نظام وترتيب متصل أواخرها بأوائلها كترتيب الأفلاك والأركان . بيان ذلك أن المعادن متصل أولها بالتراب وآخرها بالنبات ، والنبات أيضا متصل آخره بالحيوان ، والحيوان متصل آخره بالإنسان ، والإنسان متصل آخره بالملائكة ، والملائكة أيضا لها مراتب ومقامات متصلة أواخرها بأوائلها - كما بيّنا في رسالة الروحانيات - فنريد أن نذكر في هذا الفصل مراتب الكائنات من الأركان الأربعة التي هي المعادن والنبات والحيوان فنقول : أول المعادن هو الجصّ مما يلي التراب ، والملح مما يلي الماء ، وذلك أن الجصّ هو التراب الرملي يبتلّ من الأمطار ثم ينعقد ويصير جصّا . وأما الملح فإنه يمتزج بالتّربة السّبخة ، وينعقد فيصير ملحا . وأما آخر المعادن مما يلي النبات فهو الكمأة